الشنقيطي

202

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

كالنطق في الجميع ، وأنهم أجازوا العمل بإشارة الأخرس في غير اللعان والقذف على سبيل الاستحسان ، والقياس المنع مطلقا . ومذهب الشافعي في هذه المسألة اعتبار إشارة الأخرس في اللعان وغيره . وعدم اعتبار إشارة السليم . وأما مذهب الإمام أحمد - فظاهر كلام أحمد رحمه اللّه تعالى أنه لا لعان إن كان أحد الزوجين أخرس ، كما قدمنا توجيهه في مذهب أبي حنيفة . وقال القاضي وأبو الخطاب : إن فهمت إشارة الأخرس فهو كالناطق في قذفه ولعانه . وأما طلاق الأخرس ونكاحه وشبه ذلك فالإشارة كالنطق في مذهب الإمام أحمد . وأما السليم - فلا تقبل عنده إشارته بالطلاق ونحوه . هذا حاصل كلام الأئمة وغيرهم من فقهاء الأمصار في هذه المسألة . وقد رأيت ما جاء فيها من أدلة الكتاب والسنة . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الذي يظهر لي رجحانه في المسألة : أن الإشارة إن دلت على المعنى دلالة واضحة لا شك في المقصود معها أنها تقوم مقام النطق مطلقا ، ما لم تكن في خصوص اللفظ أهمية مقصودة من قبل الشارع ، فإن كانت فيه فلا تقوم الإشارة مقامه كأيمان اللعان ، فإن اللّه نصّ عليها بصورة معيّنة . فالظاهر أن الإشارة لا تقوم مقامها وكجميع الألفاظ المتعمّد بها فلا تكفي فيها الإشارة ، واللّه جل وعلا أعلم . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي إمساكا عن الكلام في قول الجمهور . والصوم في اللغة : الإمساك ، ومنه قول نابغة ذبيان . خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما فقوله : « خيل صيام » أي ممسكة عن الجري . وقيل عن العلف ، « وخيل غير صائمة » أي غير ممسكة عما ذكر وقول امرئ القيس . كأن الثريا علقت في مصامها * بأمراس كتان إلى صم جندل فقوله : « في مصامها » أي مكان صومها ، يعني إمساكها عن الحركة . وهذا القول هو الصحيح في معنى الآية . أنّ المراد بالصوم الإمساك عن الكلام ، بدليل قوله بعده فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( 26 ) وهو قول أكثر أهل العلم . وقال ابن حجر ( في الفتح في باب اللعان ) . وقد ثبت من حديث أبي بن كعب وأنس بن مالك : أنّ معنى قوله تعالى : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً أي صمتا . أخرجه الطبراني وغيره ا ه . وقال بعض العلماء : المراد بالصوم في الآية : هو الصوم الشرعي المعروف المذكور في قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 183 ] . وعليه فالمراد أنّهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم حرم عليهم الكلام كما يحرم عليهم الطعام ، والصواب في معنى الآية الأول .